2012/11/12

حركة البندول!!..


"أنت مستعجل ليه؟!!".."بهدووء شوية ياعم!!".."إلي مايتنفذش النهارده مسيره يتنفذ بكره".."الموضوع محتاج لوأت".."أنت عاوز اللي إتهد في تلاتين سنة يتبني في يوم؟!!..ياراجل".."أنا بنصحك إنت عارف غلوتك عندي..بالراحه شويه..واحدة واحدة..ليه ماتبتديش موضوع وتنهيه..وبعدين تاخد إللي بعده..وإللي بعده وهكذا..مش أحسن ماتؤع؟".."ياأخي الدنيا ماإتبنتش في يوم".."دا حتي ربنا سبحانه وتعالي قال:
"لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ"البقرة﴿286﴾..

تلك العبارات وغيرها تضمنت مفردات للغة خطاب أصبحت ملازمة لحوار كثيرين معي ـ إشفاقا منهم علي..جائز!!..لزوم النصح..ممكن!!..بحكم ماإعتادوا عليه..غالبا!!ـ حال تناولهم لما كنت قد أقدمت عليه من تصورات لقاء إدارتي للقسم الذي شرفت دوما بكوني أحد أبنائه..ورغم أن الرؤي الضامة لذلك الطرح اللغوي  تكاد تلتقي وهدف واحد ـ يرمي لأهمية الرشد والتأني في إستقبال الأمرـ إلا أن الملفت أن مفردات اللغة تكاد تصب في نطاق "التمهل" و"التروي" و"التؤدة" دونما الخوض في تفاصيل تتعلق بمضمون التصورات وملائمتها لآليات الأداء موضوع النصح..خاصة مع العلم بأن معظم من شرفت بنصحهم هذا لم يتسن لهم التعرف علي التفاصيل..الأمر الذي يبدو غريبا لكونه تناصحا لايرمي إلي قضية بعينها وكأن الأمر لازمة حوار لاأكثر!!..خاصة إذا ماأضفنا أن البعض ممن نسي أنه توجه إلي بمثل ذلك النصح قد باغتني بعد فترة وجيزة متسائلا "أنت مش مدي الملف الفلاني جزءا من جهدك..ياريت تديلوا من وأتك شوية!!"..ومع حسن ظني بالكل، ورغم إحترامي وإجلالي لكافة من تحمل مؤونة صياغة تلك الكلمات ـ التي لا أشك ولو للحظة أنها تستهدف العام، لا الخاص، وترمي إلي البناء لاالهدم ـ إلا أن هناك ماينبغي إقراره لقاء مفردات لغوية ظننت أن شغف مصر لعطاء أبنائها ـ وشغفهم كذلك لبذل ذاك العطاء ـ قد يحول دون مجرد طرقها..بل وأحسب أن الظرف الإستثنائي الذي تمر به يحول وبلا شك بيننا وبين مجرد الإصغاء لمثلها..
فدعونا إلي الأسباب أساتذتي وزملائي...

بداية دعونا نتفق علي أن الجمع قد فاته أن "ثورة يناير قد قامت لأجل هدم هذا التراث الهش!!"..قد فات الجمع "أننا أخدناها بشويش وبزيادة حبتين لمدة ثلاثين ولاستين سنة مش فارقة؛والنتيجة "إننا لم ندرك معني مابدأناه ولم نعي قيمة مارزقنا الله تبارك وتعالي إياه"..فات الجمع "أن القطار الذي صدءت عرباته لقاء سكونها ـ سكون الموتي ـ قد أن له أن يتحرك ويتحرر من قيود مادت بركابه ضمن ماغيب وماوري، "فأصبحت" لايري المعقود منها ولاهيئته، ولاالسبيل للخلاص من فكاكه"..فات الجمع "أن الثمانية عشر يوما التي كتبت وأخرجت وأنتجت سيناريو الحلم كانت وتيرة الأحداث فيها تسابق الزمن وتتخطي المدرك وتحول دون تصور المتاح"..

ما الذي حدث أساتذتي وزملائي؟!!..لما إستعصي النتاج علي الفهم؟!..لما حالت بصمة التغيبة دون إدراك متطلبات الحدث؟!..لما غلب خفقان القلب علي تدبر مايلوح بالأفق وما تحمله الأمواج؟!!..هل كانت ثورة يناير لمجرد خلع أسرة من أربعة أفراد أحيطت بمجموعة من المرتزقة فحسب؟!! ..كيف إستصاغت عقولنا أن شعبا قارب التسعة وثمانون مليونا قد إختزل حلمه ومنتهي أمله في مجرد التخلص من عصبة لايتخطي عددها أصابع اليدين؟!! ..ألم يكن الشعب نفسه جزءا من ماض قد غادر حاضره؟!..ألم أكن أنا وأنت وهو جزءا من مشكلة جسدها مبارك وزوجه وأبناءه وحزبه؟!!..ألم نربي علي أقوال من نوعية:"ماهو إلي تعرفه أحسن من اللي متعرفوش..خلينا نصبر وربك هيدبرها".."ماهو أصله شبع..أحسن مايجيلنا واحد جعان".."ومالوه جمال؟..علي الأءل واد متعلم".."وهو فيه حد غيره؟".."أهي ماشيه والسلام".."ألم يبلغ بنا العته يوما أن سحرة هذا الكهل قد إعتمدوا علي رسامي الجرافيك خلال السنوات الثلاث الأخيرة من حكمه في إيهامنا بأنه يعش نبض شعبه".."لما لم يقل البعض يوم سبق مبارك أوباما في إفتكاسة سعيد وسرايا في التأني السلامة وفي العجلة الندامة؟!!".."أيتعجل عز وعزمي وسرور وجمال ويتلكأ أنا وأنت وهو؟!!"..أين كنا وقتئذ؟!!".."أين كنا والزمن والإيقاع يضطردان في أرجاء البسيطة؟!!".."ألم نكن خارج نطاق التمهل الذي نستدعيه..والتؤده التي ننصح بها..والهدوء الذي طالما قض علينا مضاجعنا؟!!"..ألا تصب تلك المعاني جمعاء في بوتقة "بشويش،وعلي مهلك،وماتستعجلش ،وبكره ربك يعدلها".

ألم تشمل لغة الخطاب ـ تلك ـ المسبطة للعزيمة والباعثة للركون والمكبلة للأمل كافة الأطرـ بدءا بالسياسة ومرورا بالأدب والثقافة بل وإنتهاءا بالدين ـ حتي غدت جزءا من تركيبة الحاكم والمحكوم ؛ الحاكم يؤلك:"أعملكم إيه؟..مانتو بتولدوا كتير!!.."..والمحكوم يرد عليه:"مين لينا غيرك؟!!.." والنتيجة ماعلمنا ومارأينا وما حيك بنا!!..السياسة لجمال والثقافة لحسني والدين للي يسمع الكلام ؛.....حتي أن الأمر كان قد إنتهي برجال الدين الذين يتعين أن يكن لديهم الحلم حال تلاشيه عند غيرهم إلي التوسل بالدعاء إلي الله تبارك وتعالي بقولهم:"اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بين أيديهم سالمين"!!!..والباعث لذلك التؤده والتأني وإثار السلامة..ماإحنا مش أد إسرائيل ياولاد!!!..


لاأدري ماالذي دفع بعقلي خلال ذلك الطرح الكئيب والإسترسال الأكثر كأبة إلي حيث ما إستغرقت فيه نفسي..بين ثنايا ماض بعيد..تستحضر"حركة البندول"ماثلا أمام عيناي..تحكمه حركته التي جبل عليها..دونما إكتراث بكنه العقارب التي يدفعها!!..أهي تحقق الغرض وتنطق بالحقيقة؟..أم أنها بعيدا عن واقع إئتمنها علي رصد نبضه؟!!..يتردد ـ هوـ حسبما كلف يمنة ويسره؛دونما كلل وبغير ملل..لايسترعي إنتباه من يرقبه!!..ولا يشفي غليل من يطلبه!!..إستقل عن واقع يرقبه!!..لايأبه بما يحاك له!!..حدثتني نفسي وقتئذ"أهو حقيقة أم خيال؟!!"..بل وتمادت:"تري هل إستتب له الأمر لقاء لسانا قد فقده؟!!".."أم لقاء عقلا قد تخطي به حدود الجدل؟!!"..وبين إستغراقي هذا ودهشته استفقت علي نظرة من أجله ـ ممن جمعتني وإياهم طاولة أول إجتماع لي بممثلي مجلس القسم ـ لساعة حملتها يسراه وفي إبتسامة يعلوها الخجل توجه إلي قائلا:"ياريت إجتماعاتنا بعد كده يتحدد لها وقت..بداية ونهاية يعني!!.."..وتبعه أخر بقوله:"الإجتماع طول أوي!!.."..رد ثالث في الطرف المقابل للطاولة:"For needed".. تلاه رابع بتعقيب لم تطله أذناي..وإنتهي الإجتماع وراودني أمل أن يكن ما سمعته نوع من الإطراء علي ماتضمنته الجلسة من رؤي وأفكارـ بإعتبار أني لم أمنع أحدا من أساتذتي وزملائي المغادرة أثناء الإنعقاد المطول ـ علي أن الرسالة قد إتضحت في خلال ثماني وأربعين ساعة لاأكثر!!؛..لقاء ورشة عمل قد دعي إليها أضعاف الجمع الأول فإذا نسبة الحضور لاتتجاوز 30% من المتوقع!!!!..بل تبع ذلك وغيره لقاءات يطري الزملاء علي حماسي المصاحب لها ويحول البندول دون حضور بعضهم إياها!!..

في صراع مع زمن بدا لي أني  لن أدرك إيقاعه،وقلق لدي يتنامي لاأستطع الفكاك منه..حاولت نفسي الهروب من ماض زائف..جسد صورا بل وجسدته صور تنزع إلي بريق يأخذ الأعين ثم يتلاشي!!..لدعوات تلوها دعوات،ولجان تستتبعها لجان..و...و...والنتيجة لاشيئ..فأين المشكلة إذن ؟!!..

وكأن رأسي قد دلفت إلي نطاق حركته التي ألفها ولم يعر إنطباعا لهمي!!..حركته التي لايعرف سواها!!..يتحرك يمنة فيرتطم بأعلي خدي الأيسر..ويسرة فيأخذني علي مثيله من خدي الأيمن!!..فيأخذ بعقلي إلي تغيبة طالما إشتكاها في غيره!!..والنتيجة لاسبيل سوي الحلم!!..الحلم بماضي كنت أرتقي فوق غيه ـ في عالمي الخاص ـ بأمل يصحبني إلي حيث لانهاية!!..بعيدا عن حركة البندول التي لايعرف عقلي الأن غيرها!!..

فجأة ودون سبب تذكرت حالة الذهول التي طالما إنتابت طلابي ـ عبر أجيال متعاقبة ـ حينما كنت أتساءل:"من منكم لم يأتي اليوم؟!!.."..مع توجهي إلي أحدهم بالقول: "أنت..أيوه أنت يابشمهندس..ياريت تبلغ إللي جانبك إنه ماجاش النهارده..وحبذا لو عرفت منه السبب؟"..وذلك في إشارة إلي حالة النعاس أوالتغيبة أوعدم الحضور الذهني التي تلوح بين عيني المعني بالكلام..وللإيضاح كنت أسترسل:" ياجماعة..من جاء بجسده وخلف عقله وراءه فقد غاب اليوم ولم أره".."حبذا لو ذكر أحدكم زميله هذا بأن نسبة غيابه قد زادت إلي الحد الذي قد ينبري علي خطوره"..تكرر ذلك الأمر لسنوات وسنوات،وللحق كنت أستشعر قبولا من تلامذتي لسلوكياتي الغريبة تلك، وذلك ماكان يعطيني الأمل ؛علي أن الأيام قد أتت لي بما هو أغرب..حركة البندول!!..

دوما كنت أتناول مسألة" تجريف العقول" التي ألمت بعموم الشعب المصري ـ الحقيقي وليس البراني ـ لقاء ماتعرض له من إقصاء فكري ممنهج كان قد ترك كثيرين بين "يقظة المغيب" و"نوم المنهك"..والبقية الباقية مابين"مكتئب بائس" و"فاقد للأمل" و"منساقا مغلوبا علي أمره" عملا بقولة: "أهي ماشية والسلام"!!..لقد غدت أفعالنا منذ ذلك الزمن جزءا من عادات تكررت دوما..تكرار حركة البندول!!.

"العادة"..نوعة من"الإنقياد" لآلية الفعل دونما إعتبار لدور العقل وحضوره؛..تقتضي "التمهل"، لإرتباطها"بتوحد"الإيقاع،..و"التؤدة" لتخليها عن الأمل،..و"الهدوء"لإستغراقها في بني "التغيبة"؛..تركن إلي "التقليد" لتستقبل "المألوف" وتستدبر "المستحدث"..تنتهي إلي لاشيئ برغم كونها تتحدث في كل شيئ!!،تحول بين العقل وماهو منوط به!!..ومعلوم أن حراك العقل الأساس في إدراك الحقيقة، وأفوله درب من دروب التفريط فيها!!..و"العادة" لاتشترط صحة المعايير، برغم حفاظها عليها؛ فهي تجسد الحفاظ بعيدا عن كنهه، وتوثق للسلوك أيان كان مردوده؛..بالتالي فهي ضد التجريب، ونقيض الحراك، بإعتباره إنتخاب طبيعي لتوق النفس وتجدد الهدف .  

حركة البندول..في ترددها "محدود ومحدد النطاق" ليست سوي أداة لنوم "مغناطيسي"..؛يتبدي لقاؤه إنتقال العقل من حالة"الوعي"إلي غياهب"اللاوعي"..ومن غياهب"اللاوعي"إلي وهم"الوعي الزائف".
فدعونا نتعرف علي المعني بـ"الوعي" ونقيضه "الزائف" هذا....

بحسب "سامي خشبة" في درته "مصطلحات فكرية"فإن"الوعي"Consciousness  مصطلح له دلالات عدة في علمي النفس والإجتماع..ففي علم النفس يشير إلي"حالة اليقظة لدي الإنسان وقدرته علي الشعور بذاته وتمايزها عن ذوات الأخرين،دونما تحديد لإحتمالات إنسحاب الأمر علي إدراكه لحقيقة مايفعله"..

وبرغم فقدان كتابات فرويد عن الوعي ـ في سياق تناوله لما وراء علم النفس ـ مابين عامي عام 1915 / 1980م..إلا أن تلامذته كانوا قد أشاروا لكونه كان يعني بالوعي "ماقد يدور بذهن الإنسان ويرتبط بتفسير المدركات الخارجية..ويتميز عن اللاوعي بتقريره لمفاهيم الزمان والمكان وإدراكه للمتناقضات،وإستخدامه لطاقته بإنتظام وثبات، مع أهمية تقرير دور اللغة في تكوين الوعي وإنفصاله عن اللاوعي"..وتتفقون معي علي أن مسألة اللغة هذه هي إشكالية الطرح.

ومع منتصف القرن الماضي إلتقت رؤي علماء الإجتماع ورواد المدرسة البيولوجية علي إعتبارالوعي"نتاجا لتطور فسيولوجي لمخ الإنسان وقدرته علي العمل وإبتكار اللغة،وأنه يعد النتاج المباشر لتفاعل المعرفة المكتسبة مع المخ؛وأن "اللاوعي جزءا من الوعي يتبادلان التأثير والتأثر"..علي أن رؤية رواد مدرسة علم النفس التحليلي كانت قد أشارت إلي:"أن اللاوعي هو المسيطر علي الوعي وأن أعمال العقل اللاوعية تسيطر علي الواعية منها" وهنا تتبدي سطوة اللغة بإعتبارها الأداء لتغليب هذا أو ذاك!!.

أما "الوعي الزائف"False Consciousness فمصطلح كان قد وثق له كارل ماركس مستمدا معناه من رؤية مفادها"أن الطبقات المستغلة قد تملك إدراكا عقلانيا للعلاقة بين أهدافها وبين أساليب تحقيق هذه الأهداف..أما الطبقات المقهورة فهي لاتملك مثل هذا الإدراك؛بل تملك مجموعة من التصورات أو الأفكار البديلة التي تمكنها من إدراك وضعها وعلاقاتها بالعالم من حولها علي نحو صحيح"..وعليه فإن هذه الأفكار هي التي تكون "الوعي الزائف"غير المتعلق بحقائق الأشياء..بمعني أن الطبقات المستغلة هي التي تصنع للمقهورين "وعيهم الزائف"من خلال توظيفهم لمفردات اللغة وأدبياتها.

أيها السادة الفضلاء.......
دعونا من حركة البندول بوعيها الزائف ولتشخص أبصارنا إلي من توقفت بهم عقارب الساعة لقاء إشرافهم علي غرق؛جسدته أمواج،أحاطت بهم من كل جانب...دعونا نلتقي مجددا في"لحظة الغرق "..
6-11-2012م.................د.محمد جبر

ليست هناك تعليقات:

المستنقع!!.

عقلي لايكاد يستوعب ماتراه عيناي!!....أرض أجهز علي أرجاءها حريق هائل، ورقعة تتفتت جنبات أوصالها، وأمال تبددت مآلاتها، وطموحات تقلصت بني التوق...